السعيد شنوقة

411

التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة

لأنه كلام يستقيم في استعمال أهل السنة « 1 » ، ولكن فيها دليل على أنها معاقب عليها إن لم تغفر « 2 » ، ومن ثم فإنك تجده على أسلوب الاستخفاء هذا يهيئ لقاعدة التحسين والتقبيح ، ومن أن الله يراعي صلاح العباد وما هو أصلح لهم ؛ إذ قال في تفسيره قوله سبحانه : قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ [ الأعراف : 28 ] « أي إذا فعلوها اعتذروا بأن آباءهم كانوا يفعلونها فاقتدوا بهم وبأن الله تعالى أمرهم بأن يفعلوها وكلاهما باطل من العذر لأن أحدهما تقليد والتقليد ليس بطريق العلم . والثاني : افتراء على الله وإلحاد في صفاته ، كانوا يقولون : لو كره الله منا ما نفعله لنقلنا عنه » « 3 » . وما من شك في أن المعتزلة قد بيّنوا العلاقة بين خلق الله الإنسان لفعله وقدرته عليه وبين عناية الله تعالى التي سمّوها « اللطف الإلهي » الذي عنوا به التيسير إلى فعل الخير والطاعة وترك الشر والقبائح ، وهو عند جمهورهم أن الله لا يفعل بكل العباد « إلا ما هو أصلح لهم في دينهم وأدعى لهم في العمل بما أمرهم به ، وهو لا يدخر عنهم شيئا ويعلم أنهم يحتاجون إليه في أداء ما كلفهم أداءه إذا فعل بهم أتوا بالطاعة التي يستحقون عليها ثوابه الذي وعدهم » « 4 » ، وهو عند بعضهم أن اللطف ليس بأكثر من أن يكون المرء عنده أقرب إلى أداء الواجبات وترك المقبحات على وجه لولاه لما كان بهذه المثابة ومعرفة الله تعالى بهذه الصفة » « 5 » . وعلى هذا فكل مهتد خلق لنفسه الهدى ؛ فالله سبحانه لم يخلق لأحد من المهتدين الهدى ؛ وقد أجرى الزمخشري تفسيره للآية : وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللَّهُ [ الأعراف : 43 ] على تأويل الهدى من الله تعالى إلى اللطف الذي يوجب المعتزلة أن لا تخلو أفعال الله منه تقوية للدواعي وزيادة للصوارف فبقوة الدواعي وزيادة للصوارف يستطيع العبد اختيار الواجب وتجنب القبيح « 6 » ، وهو ما نجده في تفسيره لقوله تعالى : وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ « اللام لتوكيد

--> ( 1 ) انظر ابن المنير ، الإنصاف ، هامش الكشاف ، ج 2 ، ص 74 - 73 . ( 2 ) انظر تفسير البيضاوي ، ج 3 ، ص 13 . ( 3 ) الكشاف ، ج 2 ، ص 75 . ( 4 ) الأشعري ، مقالات الإسلاميين ، ج 1 ، ص 313 . ( 5 ) القاضي عبد الجبار ، شرح الأصول الخمسة ، ج 1 ، ص 20 . ( 6 ) انظر د . سميح دغيم ، فلسفة القدر في فكر المعتزلة ، ص 133 .